ابو البركات

425

الكتاب المعتبر في الحكمة

تدبير نفسه فأين مزاج البدن من هذا بحرّه وبرده وصغر البدن وكبره وقد يكون الصغير في هذا عظيما والعظيم صغيرا . ويناسب الوسع القوة ومن القوة الشجاعة وقد يكسبها حسن البخت وقوة الأمل ، وسعة النفس لا تكتسب وكل سعة النفس فضيلة وقوة النفس قد تكون منها الفضيلة والرذيلة فإنها مع الحكمة الغريزية تعطى الشجاعة ومع عدمها توجب التهور ، فالشجاع هو الذي يوافق الرأي في الاقدام ، والمتهور يقدم على غير مقتضى الرأي ، والجبن يقابلهما فلا يقدم مع موافقة الرأي ومخالفته ، والنفس الشريفة بغريزتها هي الحرة العفيفة الخيرة الكريمة « 1 » والخسيسة مقابلتها وهي النذلة الشرهة الشريرة البخيلة القاسية ، والحكمة الغريزية هي فطرة الصدق في الاحكام والأوهام في العلوم والآراء والبراعة فيها تتم بسعة النفس وشرفها فان الخسة تحط النفس وتشغلها والجهل الغريزي مقابلها . وعادم الحكمة الغريزية من الناس عديم كالفرس والحمار لا تجدى فيه رياضة ولا تعليم . وللنفوس تفاوت في ذلك فبعضها في استعداده بالحكمة الغريزية لقبول الحكمة التمامية كالكبريت للنار وبعضها كحجر الطلق له ولذلك تختلف الحاجة والغنى إلى التعاليم وكثرتها وقلتها ، فعالم لا معلم له ، ومن له معلم وليس بعالم ما بينهما « 2 » والغريزة لا تعلم وانما يتعلم المتعلم بغريزته فان الدليل والحجة إذا عرضتها « 3 » على الفطرة السليمة فتصورتهما واحضرتهما في الذهن مع المدلول عليه المحتج له معا حكمت بفطرتها من الحجة والدليل للمحتج له والمدلول عليه ، فالمعلم يعرض الحجة والدليل على نفس المتعلم فان وسعت نفسه لتصورهما واستثباتهما مع المدلول عليه وحكمت فطرته فيه بحسبهما تم علمه بذلك التعليم وان لم تحكم في ذلك بفطرتها بل بقول المعلم لم يتم علمه اليقين بل كان مقلدا وان لم تسع لاستثبات الدليل والمدلول عليه بل لسماع اللفظ وتصوره وحفظه كان حافظا ناقلا وان لم تسع ولم تقو على شئ من ذلك كان بليدا جاهلا . والمعلم في ذلك باسره واحد فيما يعرضه عليه ويلقيه اليه .

--> ( 1 ) سع - الكبيرة ( 2 ) صف - وما بينهما ( 3 ) كذا والظاهر - عرضتهما .